محمد الغزالي
83
فقه السيرة ( الغزالي )
الكعبة ومن بقايا كلمة إبراهيم التي أجمع العرب في جاهليتهم على احترامها ( الكعبة ) ؛ وهي أشبه بغرفة كبيرة مشيّدة من أحجار قوية ، يعتمد سقفها من الداخل على أعمدة من الخشب الثمين ، وأول من قام في بنائها أبو الأنبياء إبراهيم وابنه إسماعيل عليهم السّلام ، والغرض من بنائها أن تكون معبدا للّه ، ومسجدا يذكر فيه اسمه واحده ؛ فإن إبراهيم لقي العناء الأليم في حرب الأصنام ، وهدم المعابد التي تنصب فيها ، ثم ألهمه اللّه أن يا بني هذا البيت ليكون أساسا للتوحيد وركنا ، ومثابة للناس وأمنا ، ومن البديهي أنه لا يسع القصّاد جميعا ، فألحق ما حوله به وصار حرما مقدّسا . ومعنى ذلك : أنّ الكعبة نفسها حجارة لا تضرّ ولا تنفع ، وأنّ الحرمة التي اكتسبتها هي من الذكريات والمعاني التي حفّت بها ، ولذلك أكّد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن تأمين الأعراض والأموال والدّماء أقدس عند اللّه تعالى من هذه الكعبة ، وأعظم حرمة وأكبر حقّا . ومن الوثنية التي يعاديها الإسلام - إلى اخر الدّهر - الظنّ بأن الكعبة أو شيئا منها له أثر من نفع أو ضرر . وأنت خبير بأن الرؤساء والقادة والجنود عندما يحيّون أعلام بلادهم ، ويتفانون دونها ، فليس هذا عبادة لقطع معينة من القماش ، إنما هو تقديس لمعان معينة ارتبطت بها ، ومن الأمور التي يسهل فهمها : أن يكون لأول مسجد في الأرض مكانة تاريخية خاصة ، وأن يكون قبلة لما يستجدّ بعده من مساجد . أما الوجهة في كلّ صلاة ، والمقصود في كلّ خشوع ؛ فهو اللّه واحده . عن أبي ذر رضي اللّه عنه : سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض . قال : « المسجد الحرام » . قلت : ثم أي ؟ قال : « المسجد الأقصى » . قلت : كم بينهما ؟ قال : « أربعون عاما ، ثم الأرض لك مسجد ، فحيثما أدركتك الصلاة فصلّ ؛